الجمعة، 16 يوليو 2010

حديث المرشد العام إلى صحيفة "الشروق"


فضيلة المرشد العام د. محمد بديع خلال الحوار مع الشروق

مرشد الإخوان (1): مستعدون للتنسيق مع الجميع إلا الحزب الوطني

ستة أشهر مرت على تنصيب د. محمد بديع سامي مرشدًا ثامنًا للإخوان المسلمين خلفًا لمحمد مهدي عاكف أول مرشد للجماعة يحصل على لقب "سابق" وهو على قيد الحياة.

تحرَّكت خلال تلك الشهور الستة الكثير من المياه في نهر الجماعة الثمانينية التي راهن البعض على أن تعصف الخلافات الحادة التي صاحبت انتخابات مكتب الإرشاد الأخيرة بها، أو على الأقل أن تنكفئ الجماعة على نفسها وتبتعد عن الساحة السياسية؛ وذلك بعد سيطرة "تيار التنظيم" على مفاصلها.

وفي أول حوارٍ لصحيفة مصرية وصف بديع لـ"الشروق" ما حدث في معركة "الشورى" الأخيرة بأنه فضيحة انتخابية من نظامٍ لا يعرف إلا التزوير، مضيفًا: "إن الجماعة خاضت تلك الانتخابات؛ لأنها كانت تطمع في وجود شيء من الذكاء السياسي لدى النظام".

ونفى مرشد الإخوان الثامن وجود أي اتصالاتٍ بين الجماعة والنظام الحاكم، وقال: "قولة واحدة؛ لم يحدث بيننا أي اتصالٍ حتى لا يتقول علينا متقول"، لكنه أكد أن الجماعة تفتح أيديها وقلوبها وعقولها للحوار، مكررًا ما قاله سلفه مهدي عاكف: "لو حكم النظام الحالي بشرع الله وتخلَّى عن منافعه الشخصية سنكون خدمًا له".

وأشار بديع إلى أن جماعته لم تقرر حجم مشاركتها في انتخابات "الشعب" المقبلة بعد، وقال: "من الوارد أن تضم قائمة مرشحي الجماعة في الانتخابات المقبلة أقباطًا".

ولم يستبعد لجوء الإخوان إلى سلاح المقاطعة الفاعلة بشرط إجماع كل قوى المعارضة على ذلك.

وحسم المرشد موقف جماعته من التقدم بأوراق حزب سياسي، وقال: "اقتراح النواب بتأسيس حزب سياسي مرفوض، ولن يُعرض على مجلس الشورى".


* ما تقييمك لمعركة انتخابات مجلس الشورى الأخيرة.. وتفسيرك لعدم نجاح الإخوان في الحصول على أي مقعد؟

** انتخابات الشورى الأخيرة هي تدميرٌ لرغبة وإرادة الشعب ونتائجها غير حقيقية، وما حدث فضيحة انتخابية من نظامٍ لا يعرف إلا التزوير، فالانتخابات الحرة لا يعرف أحد قبلها بثلاثة شهور أن الإخوان لن ينجح لهم فيها مرشح، وأن بعض أحزاب المعارضة ستحصل على 4 مقاعد، بعض المراقبين أكدوا أن هذه هي هندسة الانتخابات الجديدة لدى الحزب الحاكم، فمن يريد نتيجة معينة لا بد أن يضمن تزويرها مسبقًا.

ولو قارنا بين تلك الانتخابات وانتخابات مكتب الإرشاد لعرف الجميع الفرق بين ما يحدث داخل جماعة الإخوان من مؤسسية وشفافية وشورى وبين الانتخابات التي يجريها الحزب الوطني، فلم يكن أحد يعرف مَن سيتولى رئاسة مكتب الإرشاد حتى آخر لحظة بمَن فيهم المرشد.

* إذًا لماذا خاض الإخوان انتخابات الشورى على الرغم من علمهم أن نتائجها محسومة سلفًا كما توقَّع البعض؟

** المحسوم سلفًا لم يُحسم إلا بنية التزوير، وقد خضنا الانتخابات؛ لأننا كنا نطمع أو نتوقع أن يكون هناك شيء من العقل والذكاء السياسي لدى النظام، حتى لو كان هناك تزوير لا يكون فجًّا بهذه الصورة، وكنا نتمنى أن يُسمح لجميع التيارات أن تشارك في مجلس الشورى.

اسم الشورى لا يوجد قط إلا في الإسلام، فالشورى لبُّ الإسلام؛ حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشورى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، ولا يُعقل ولا يصح أن تؤدى فريضة من الفرائض بمالٍ حرام، وشيء طيب جدًّا أن يكون هناك مجلس شورى في مصر وفي باقي الدول العربية ودول الإسلام ولكن بأي شكلٍ من الأشكال؟

* ذكرت بعض التقارير الصحفية أن هناك اتصالاتٍ جرت بين الجماعة وقيادات الحزب الحاكم قبل الانتخابات لكنها فشلت.. هل حدث أي شكلٍ من أشكال الاتصال مع الحزب الوطني منذ توليكم منصب المرشد العام في يناير الماضي؟

** لم يحدث شيء من هذا قط.. قولة واحدة حتى لا يتقول علينا أحد، لم يحدث أي اتصالات مع الحزب الحاكم، والحقيقة أننا الآن من نفتح أيدينا وقلوبنا وعقولنا لكي يعود النظام إلى رشده ليس للتحاور معنا نحن فقط بل للتحاور مع الجميع، وأنا قلتها منذ أن توليت منصب المرشد لن نتعاون مع الحزب الحاكم، والمرشد السابق الأستاذ عاكف قال: "لو حكم النظام الحالي بشرع الله وتخلَّى عن المنافع الشخصية سيكون الإخوان خدمًا له"، وأنا أقول نفس الجملة الآن، سنكون خدمًا لمَن يحمل هذه الأمانة وسنعاونه ونساعده.. ولا بد أن يعود النظام إلى رشده ليعلم أن مصر بلدنا جميعًا، ونحن شركاء معه في ذلك الوطن وشركاء معه في المسئولية وشركاء في القرار، كما أننا شركاء في تحمُّل الفساد، فالفساد لا يقع على الحزب الحاكم فقط بل على الشعب كله فنحن وهم في سفينة واحدة، وسنسعى لنجاتنا جميعًا كمصريين "مسلمين ومسيحيين" وليس لنجاة الإخوان فقط.

ودعني أُذكِّر بوقعة عندما اعتقل المرشد الأسبق للإخوان عمر التلمساني مع البابا شنودة في سبتمبر 1981م، عرض بعض المسئولين عليه أن يتم الإفراج عنه، لكنه رفض وربط خروجه بخروج البابا شنودة، وبالفعل خرجا معًا؛ لذلك أرجو أن يعلم النظام أننا لا نريد شيئًا لأنفسنا، ونريد أن يتحاور النظام مع كل القوى السياسية الموجودة بما فيها الإخوان.

* هل تقصد بالنظام هنا "الحزب الوطني"؟

** المشكلة أن الحزب الوطني الآن لم يعد ممثلاً لهذا النظام إلا في أسوأ صوره، والنظام ليس الحزب الوطني فقط، بل به مؤسسات دولة، ونحن كإخوان نُقدِّر هذه المؤسسات ونحافظ عليها جدًّا، أما الحزب الوطني فهو في الحقيقة حزب غير طبيعي، وتم بناؤه على نتائج انتخابات مزورة كانتخابات الشورى التي سلبت ونهبت حقَّ الشعب المصري وإرادته.

* هل سيؤثر "صفر الشورى" على أداء الجماعة السياسي؟ وكيف ستتعامل الجماعة مع هذا الإخفاق؟

** النظرة المادية البحتة التي تقول إن الإخوان حصلوا على "صفر" في انتخابات الشورى هذه حقيقة خطأ ناتجة عن مقدمات خطأ، فجماعة الإخوان المسلمين تحمل الإسلام بشموله، وبالتالي فعليها المشاركة في كل فروع العمل الإسلامي لتقدم نموذجًا مشرفًا للإسلام يليق بهذا الدين العظيم، ومشاركتنا في هذه الانتخابات أحد أوجه هذا الشمول.

ونحن أمام معركة قانونية لاسترداد حقنا، وسنظل نطالب بهذا الحق ونصر عليه إلى أن نحصل عليه، وهذا لبُّ القضية.

* انتهت الدورة البرلمانية الأسبوع الماضي.. ما تقييمك لأداء نواب الإخوان في هذه الدورة؟

** لكي نُقيِّم أداء ما قام به نواب الإخوان في مجلس الشعب لا بد أن نذكر العشرات من مشروعات القوانين والمئات من الاستجوابات وطلبات الإحاطة والأسئلة التي قدموها وعطلتها الأغلبية الميكانيكية للحزب الوطني، لكن يكفي أن أقول لك إن 55% من الأدوات الرقابية في المجلس قدَّمها نواب الجماعة، فضلاً عن مناقشتهم العديد من القضايا المهمة المحلية والخارجية، وخصوصًا لب قضية مصر من فساد واستبداد.

ففي دور الانعقاد الخامس فقط تقدمت الكتلة بـ 80 مشروع قانون وتعديلاً لبعض القوانين، فضلاً عن تقدمهم بـ 118 استجوابًا، بالإضافة إلى 440 طلب إحاطة و45 سؤالاً عاجلاً و65 بيانًا؛ وذلك حتى مارس الماضي، ودعني أُذكِّرك بالذي فجَّر قضية الرقابة على الصناديق الخاصة في مجلس الشعب، النائب أشرف بدر الدين عضو كتلتنا البرلمانية، عندما طالب المجلس بالبحث عن وسيلة رقابية قوية للمجلس على هذه الصناديق؛ حفاظًا على حقوق المواطنين، وتم رفض طلب النائب برفع أيدي الأغلبية الميكانيكية للحزب الوطني، ثم جاء الجهاز المركزي للمحاسبات، وأكد خطورة عدم وجود رقابة على تلك الصناديق التي تُمثِّل أربعة أضعاف الميزانية.

* على ذكر الجهاز المركزي للمحاسبات.. ما أسباب دعم ومساندة نوابكم في البرلمان للمستشار جودت الملط رئيس الجهاز علمًا بأنه يمثل النظام بشكلٍ من الأشكال؟

** وجدنا أن فيه شيئًا من المصداقية في بعض القضايا، ولو شاهدت أداءه داخل البرلمان ستشعر بأنه إنسان يحتاج لمساندة ودعم، لذا فنحن ندعمه.

* ماذا قدَّم نواب الجماعة لأبناء دوائرهم؟

** المنطلق الإسلامي في هذه القضية مهم جدًّا، فالنظام جعل نائب الحزب الوطني يقدم خدمات لأبناء دائرته ومنع نواب الإخوان من تقديم مثل هذه الخدمات؛ لذا فالسؤال: "لماذا يُمنع نواب الشعب من الإخوان من الحصول على خدمات لأبناء دوائرهم؟".

ومع ذلك فقد كان نواب الإخوان أصحاب أول سابقةٍ في البرلمان المصري فما يحصلون عليه من مزايا يقدمونه لأبناء دوائرهم عن طريق القرعة، حدث هذا في تأشيرات الحج والعمرة التي يتسلمونها، قمنا بعمل قرعة في جميع مقار نوابنا وتم توزيع التأشيرات بكل شفافية.

* ما الأسباب التي دفعتكم لاتخاذ قرار بالمشاركة في معركة انتخابات مجلس الشعب، على الرغم من توقعات المراقبين بتكرار سيناريو "الشورى" في معركة "الشعب"؟

** أولاً كل القواعد الإخوانية تُستشار في قضية خوض الجماعة للانتخابات من عدمه، وهذه هي المؤسسية التي تقوم عليها الجماعة، فلا يؤخذ قرار دون الرجوع إلى القواعد.

أما عن أسباب المشاركة، فنحن نريد أن يتعرَّف الشعب المصري على الإخوان عن قرب من خلال الانتخابات، فلم يُسمح لنا بالالتحام بالجماهير وعرض برنامجنا إلا من خلال الانتخابات، فنحن نحتاج إلى أن نعرِّف الشعب بحقيقة الإخوان ومبادئهم ونشرح لرجل الشارع وجهةَ نظرنا وطريقة عملنا.

* كيف سيكون حجم مشاركة الجماعة في معركة "الشعب"؟

** الإخوان المسلمين جماعة مؤسسية لا يُصدر فيها المرشد قرارًا يسري على الجميع دون الرجوع إلى مؤسسات الجماعة، فنحن جماعة تطالب بالشورى وتطبِّقها على نفسها، وعندما ندخل انتخابات يتمُّ استطلاع رأي كل المستويات، مثلما حدث في انتخابات الشورى، وكانت النتيجة أن الإخوان قرَّروا خوض انتخابات الشورى.

* بصفتك المرشد وصاحب الولاية على الجماعة وتتمُّ مبايعتك لإدارة شئونها.. ما تقديرك لحجم المشاركة؟

** نحن جماعة مؤسسية، ونتبع منهج الشورى ومنهج ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، واسألني عن نفسي فقد قمتُ باستشارة أمانات الشورى في المحافظات عن خوض انتخابات الشورى من عدمه، ووافقوا على خوضها.

*وهل أخذت رأيهم في انتخابات مجلس الشعب؟

** ليس بعد.

* إذًا ما تصوراتك؟

** لا بدَّ من المشاركة الإيجابية الفعَّالة في جميع الانتخابات، ولا يمكن لي أن أعرض رقمًا أو نسبةً على إخواني، وكلامي واضح جدًّا، وسأجمع الآراء والقرار النهائي يتمُّ اتخاذه بعد الشورى أولاً مثلما حدث قبل خوض انتخابات التجديد النصفي لانتخابات الشورى.

* ما المقاييس التي يتم على أساسها تحديد أعداد ومواصفات مرشحي الجماعة؟

** لدينا بالجماعة لجان سياسية تدرس الحالة السياسية في مصر والحالة البرلمانية للإخوان، وتدرس أيضًا الحالة الشعبية لكل مرشح في دائرته، وكذلك دراسة القوى السياسية الأخرى التي ستخوض الانتخابات، فنحن لن نكون في الساحة الانتخابية وحدنا، وتُجمع كل هذه المعلومات وتوضع أمامنا لاختيار الأفضل لخوض الانتخابات، وكل هذه المعلومات لا يمكن أن تأتي إلا من المحافظات، وعندما تأتي انتخابات الشعب ستعرف الرقم والنسبة بالضبط كما أعلنَّاه في الشورى.

* وهل في خططكم التنسيق مع الأحزاب والقوى السياسية الأخرى؟

** ندرس التنسيق مع القوى السياسية الأخرى، وقد جاءني الدكتور حسن نافعة، المنسق العام للجمعية الوطنية للتغيير، وناقشني في ذلك وأكدتُ له أن جميع أشكال التنسيق مفتوحةٌ، من المشاركة حتى المقاطعة، بشرط أن تكون تلك المقاطعة فعَّالة، لكن لم يتم بعد تحديد آلية الجماعة في التنسيق مع جميع القوى الأخرى.

* وهل التنسيق مع الحزب الوطني واردٌ في الانتخابات؟

** لا تنسيق مع الحزب الوطني كحزب، لكن إذا كانت مؤسسات الدولة تريد أن تُنقذ هذا البلد فلا بد أن تُبادر وتكون هناك آلية لذلك وتفتح حوارًا مع الجميع، فالحزب الوطني قال إن هناك فكرًا جديدًا ولم نرَ منه فكرًا جديدًا، وأكد أن الانتخابات ستكون نزيهةً وأقسموا على ذلك بالطلاق.. هل حدث وأُديرت الانتخابات بنزاهة؟! لا طبعًا.

* الحزب الوطني لا يدير الانتخابات، ومؤسسات الدولة التي تشير إليها هي مَن تُدير تلك الانتخابات التي قلت إنه تمَّ تزويرها.. إذن لماذا تدعو تلك المؤسسات إلى الحوار والتنسيق؟


** هذه المؤسسات ليست صاحبة القرار، بل جميعها جهات تنفيذية، والمؤسسات السيادية في مصر- المتمثلة في رئاسة الجمهورية- هي صاحبة القرار، وعلى مصر أن تُراجع قراراتها السياسية السيادية لتعيد إلى مصر دورها؛ لأننا الآن نشكو من أن مصر يتضاءل دورها في الداخل والخارج، فأنا أقول: يا مؤسسة الرئاسة، نرجو أن تأخذي وضعك الطبيعي والحقيقي؛ كي تعيدي إلى مصر قواها وتناسقها وتناغمها لتنهض البلد؛ لأنه ليس بلد فرد أو حزب، ولا بلد مؤسسة.. هذا بلد جميع المصريين، ولو ضاعت مصر ضعنا كلنا.

* هل من الوارد أن تستجيب الجماعة للدعوة إلى مقاطعة الانتخابات التي أطلقتها بعض القوى السياسية؟

** كما قلت سيعرض الأمر على أعضاء الجماعة، وإذا كانت المقاطعة فعَّالة كما قمنا بها في التسعينيات فسندرسها جميعًا، وتتخذ مؤسسات الجماعة القرار بعد الدراسة.

* وماذا عن وجهة نظرك الشخصية في المقاطعة؟

** إذا كان هناك إجماع عليها من جميع التيارات والقوى السياسية بحيث تكون مقاطعة فعَّالة فما المانع؟!

* بعض قيادات الجماعة طالبت بالفصل بين العمل الدعوي والعمل الحزبي التنافسي ودعم فصيل وطني في الانتخابات والوقوف خلفه.. كيف ترى هذا الاقتراح؟

** الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح اقترح أن نقاطع الانتخابات 20 سنة، وعندما حدث الزخم في انتخابات الشورى، وأيَّدنا بعض الشخصيات من التيارات السياسية الأخرى تراجع وطالب بأن تُشارك الجماعة في الانتخابات بكل ثقلها وتؤيد مرشحين من خارج الجماعة.

السبت، 22 مايو 2010

مدخل الى القضية الفلسطينية

مدخل الى القضية الفلسطينية



لا يمكن التعامل مع الصراع الدائر فوق ارض فلسطين المحتلة كصراع نموذجي من الصراعات البشرية العادية، كما لا يمكن اعتبار هذا الصراع امتداداً لصراعات لم تتوقف بين القوى المختلفة للسيطرة على أرض فلسطين لأسباب اقتصادية أو عسكرية أو حتى دينية .

فالصراع الذي تحياه الأمة - بدرجات متفاوتة - مع العدو الصهيوني يشكل صراعاً تتداخل فيه الظروف التاريخية والسياسية وعوامل الاقتصاد والدين وحتى الرؤية الحضارية للمنطقة العربية والإسلامية ودورها في موكب الحضارة الإنسانية .

ويكفي استعراض المراحل التاريخية التي مرت بها القضية الفلسطينية لتوضيح هذه الحقيقة فبينما كان التنافس الإستعماري الاوروبي يشتد في نهاية القرن الثامن عشر لوراثة الإمبراطورية العثمانية، والسيطرة على طريق الهند الإستراتيجي، ويشكل عاملاً أساسياً لرسم سياسات الدول الأوروبية، حاول الحركيون اليهود - بدعم أوروبي شاركت فيه آنذاك ألمانيا وبريطانيا - الضغط على الخلافة العثمانية لانتزاع ميثاق من السلطان عبد الحميد الثاني يمنح اليهود حق الإستيطان في فلسطين والسماح بهجرتهم إليها، غير أن السلطان العثماني رفض الضغوط الأوروبية وإغراءات اليهود .

وفي الفترة بين عامي 1900- 1901 أصدر السلطان عبد الحميد بلاغاً يمنع المسافرين اليهود من الإقامة في فلسطين لأكثر من ثلاثة أشهر، كما أمر بمنع اليهود من شراء أي أرض في فلسطين، خشية أن تتحول هذه الأراضي إلى قاعدة لهم تمكنهم من سلخ فلسطين عن بقية الجسد المسلم .

وفي عام 1902 تقدم اليهود بعرض مغر للسلطان عبد الحميد يتعهد بموجبه أثرياء اليهود بوفاء جميع ديون الدولة العثمانية وبناء أسطول لحمايتها، وتقديم قرض بـ(35) مليون ليرة ذهبية لخزينة الدولة العثمانية المنهكة، إلا أن السلطان رفض العروض وكان رده كما جاء في مذكرات ثيودور هرتزل: (انصحوا الدكتور هرتزل ألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، لأني لا استطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الارض، فهي ليست ملك يميني بل ملك شعبي، لقد ناضل شعبي في سبيل هذه الارض ورواها بدمائه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت امبراطوريتي يوماً فإنهم يستطيعون أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من الامبراطورية الاسلامية، وهذا أمر لا يكون، فأنا لا استطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة .. ) .

وعندما أيقن اليهود بفشل جميع المحاولات الممكنة بدأوا بالعمل على إسقاط الخلافة العثمانية، حيث استطاعوا التسرب عن طريق طائفة يهود الدونمة التي تظاهر أفرادها بالإسلام وحملوا الأسماء التركية، ودخلوا في جميعة "الاتحاد والترقي" ووصلوا الى الحكم سنة 1907، وتصاعد النشاط الصهيوني في فلسطين بدعم من أنصار الاتحاد والترقي ويهود الدونمة الذين سيطروا على مقاليد السلطة في الاستانة حيث سمح الحاكم العثماني الجديد لليهود بالهجرة إلى فلسطين وشراء الأراضي فيها، مما فتح أمام المنظمات الصهيونية للبدء بالنشاط العملي على نطاق واسع حتى سقطت الخلافة رسمياً سنة ( 1924) واحتلت الجيوش البريطانية فلسطين ।

لقد التقت المصالح الاستعمارية الاوروبية في انتزاع فلسطين من الوطن العربي مع المصالح الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود، بل إن قادة أوروبا هم الذين عرضوا على اليهود إقامة وطن لهم في فلسطين، قبل أن تطرح الحركة الصهيونية الفكرة بسنوات طويلة، وعلى الأخص من جانب فرنسا وبريطانيا في محاولة للتخلص من المشكلة اليهودية في أوروبا وتحقيق مكاسب استعمارية من الدولة اليهودية .

كان التنافس الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا واضحاً في الشرق الأوسط، حتى قبل قيام الحركة الصهيونية، وكان هدف كل منهما حماية مصالحه في المنطقة، وملاحقة الدولة الأخرى من إجل إيذائها أو منافستها على تلك المصالح، وإيجاد الوسائل المختلفة التي تحمي مصالحها واعتقدت بريطانيا بعد فشل نابليون بونابرت في مصر وبلاد الشام، أنه من المفيد إيجاد بدائل اخرى في الشرق الأوسط، لاستمرار تفوقها على فرنسا. وقد وجدت في فلسطين مكاناً ملائماً لبسط نفوذها بسبب الموقع الجغرافي الذي تتمتع فيه وسط الوطن العربي وباعتبارها البوابة التي تربط بين أسيا وأفريقيا، ولهذا فإن من مصلحة الاستعمار الاوروبي والبريطاني بالذات، فصل الجزء الاسيوي عن الجزء الأفريقي من الوطن العربي، وخلق ظروف لا تسمح بتحقيق الوحدة بين الجزءين في المستقبل .

بدأ الموقف البريطاني يتضح بعد حملة محمد علي باشا والي مصر الى الشام، عندما أرسل ابنه ابراهيم باشا الى المنطقة، مما أثار بريطانيا لأنها خشيت أن تتوحد مصر مع بلاد الشام في دولة واحدة، لهذا ساهمت بريطانيا مع الدولة العثمانية في إفشال حملة ابراهيم باشا على بلاد الشام .

وبعد تدخل بريطانيا، أرسل بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا مذكرة إلى سفيره في استانبول في عام 1840، شرح فيها الفوائد التي سوف يحصل علىها السلطان العثماني من تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين وقال :« إن عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين بدعوة من السلطان وتحت حمايته يشكل سداً في وجه مخططات شريرية يعدها محمد علي أو من يخلفه » .

وفي مارس / آذار 1840 وجه البارون اليهودي روتشيليد خطاباً إلى بالمر ستون قال فيه : «إن هزيمة محمد علي وحصر نفوذه في مصر ليسا كافيين لأن هناك قوة جذب بين العرب، وهم يدركون أن عودة مجدهم القديم مرهون بإمكانيات اتصالهم واتحادهم، إننا لو نظرنا إلى خريطة هذه البقعة من الأرض، فسوف نجد أن فلسطين هي الجسر الذي يوصل بين مصر وبين العرب في أسيا.

وكانت فلسطين دائماً بوابة على الشرق. والحل الوحيد هو زرع قوة مختلفة على هذا الجسر في هذه البوابة، لتكون هذه القوة بمثابة حاجز يمنع الخطر العربي ويحول دونه، وإن الهجرة اليهودية إلى فلسطين تستطيع أن تقوم بهذا الدور، وليست تلك خدمة لليهود يعودون بها إلى أرض الميعاد مصداقاً للعهد القديم، ولكنها أيضاً خدمة للامبراطورية البريطانية ومخططاتها، فليس مما يخدم الامبراطورية أن تتكرر تجربة محمد علي سواء بقيام دولة قوية في مصر أو بقيام الاتصال بين مصر والعرب الآخرين».

هاتان الوثيقتان الصادرتان عن بريطانيا وأحد زعماء اليهود، تظهران التقاء مصالح الطرفين في محاربة قيام دولة عربية موحدة، وأن ذلك لا يتم إلا من خلال إقامة دولة دخيلة لليهود في قلب المنطقة العربية ، وقد دعا تقرير بريطاني اعدته لجنة شكلها رئيس وزراء بريطانيا (هنري كمبل- بانزمان) عام 1907 إلى العمل من أجل إبقاء المنطقة العربية مجزأة ومتأخرة وإلى «محاربة اتحاد الجماهير العربية أو ارتباطها بأي نوع من أنواع الارتباط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وذلك من خلال العمل على فصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي، عن طريق إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط آسيا وإفريقيا، بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة صديقة لنا وعدوة لسكان المنطقة » .

وهو ما أمكن تحقيقه جزئياً من خلال اتفاقية سايكس - بيكو (1916) وبموجب الاتفاقية حصلت فرنسا على أجزاء من سوريا وجنوب الأناضول وعلى منطقة الموصل في العراق ولونت باللون الازرق، وحصلت بريطانيا على أراضي جنوب سوريا إلى العراق شاملة بغداد والبصرة والمناطق الواقعة بين الخليج العربي والأراضي الممنوحة لفرنسا وميناءي عكا وحيفا ولونت باللون الأحمر ، أما بقية مناطق فلسطين فقد لونت باللون البني، واتفق على أن تكون دولية، وهكذاحقق الاستعمار البريطاني والفرنسي مؤامرته ضد قيام وحدة بين جزئي الوطن العربي .

في أعقاب الاتفاقية عمد قادة الحركة الصهيونية وعلى رأسهم اللورد روتشيلد وحاييم وايزمان لاجراء اتصالات مع بريطانيا أدت إلى إصدار وعد بلفور، وكان من الأسباب التي دفعت بريطانيا للموافقة على الوعد هو أن تكون الدولة اليهودية خط الدفاع الأول عن قناة السويس واستمرار تجزئة الوطن العربي، وقد أصدر القرار في 2 تشرين ثاني / نوفمبر 1917 وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر بلفور، ونص القرار الذي جاء على هيئة رسالة من بلفور إلى روتشيلد على أن «حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الاخرى،

وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح »

وفي 11 كانون أول / ديسمبر 1917 دخلت الجيوش البريطانية بقيادة الجنرال اللنبي القدس وبدأت في تنفيذ وعد بلفور عملياً وحدثت على أثر ذلك صدامات بين العرب واليهود وتشكلت جمعيات عربية ضد المشروع الصهيوني ،عندما أراد اليهود الاحتفال بمرور عام على وعد بلفور هدد العرب بالتظاهر غير أن المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل هدد بإلقاء القبض على كل عربي يتظاهر .

وعلى إثر إعلان هذا الوعد عمت الاحتجاجات جميع أنحاء فلسطين وبعض الاقطار العربية، وتأكد الفلسطينيون أن بريطانيا ماضية في فصل بلادهم عن الاقطار العربية، لا سيما بعد أن فرضت عصبة الأمم المتحدة الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1919 .

وحاولت بريطانيا تهدئة العرب، في الوقت الذي كانت تسعى فيه إلى فصل فلسطين عن بلاد الشام، ولكنها لم تنجح، حيث قام الفلسطينيون بأول ثورة شعبية عام 1920 .

وخلال انعقاد مؤتمر فرساي في كانون ثاني / يناير 1919 قدمت الحركة الصهيونية إلى المؤتمر خطة مدروسة واضحة المعالم لتنفيذ مشروعها، دعت إلى :

1- إقامة وصاية بريطانية لتنفيذ وعد بلفور .

2- أن تشمل حدود فلسطين ضواحي صيدا ومنابع الليطاني ونهر الأردن وحوران وشرق الأردن والعقبة وأجزاء من صحراء سيناء المصرية .

وفي هذا المؤتمر، وضعت سياسة الانتداب على المستعمرات التي كانت تابعة لألمانيا وتركيا قبل الحرب. كما دعا المؤتمر إلى تشكيل عصبة الأمم المتحدة لتكون تلك الدول بريطانيا وفرنسا مندوبة عن عصبة الامم .

وفي 31 أيار/مايو 1920م صدر إعلان الانتداب على فلسطين في مؤتمر سان ريمو وعين البريطاني الصهيوني هربرت صموئيل مندوباً سامياً في القدس، وكان وزيراً للداخلية البريطانية ومتعاطفاً مع الصهاينة .

وبعد ثلاثة أيام فقط من إعلان صك انتداب بريطانيا على فلسطين، كشفت بريطانيا عن مضمون وعد بلفور، واحتج الفلسطينيون وحدثت اشتباكات لأول مرة بين الحرس البريطاني والعرب . كما منعت بريطانيا المؤتمر الفلسطيني الثاني من الانعقاد في حيفا عام 1920 ، بعد أن أصبح تشرشل وزيراً للمستعمرات عقد مؤتمراً في القاهرة للعسكريين والموظفين البريطانيين لمراجعة الوضع البريطاني في المنطقة، حيث أوصى المؤتمر :

- الاستمرار في تنفيذ وعد بلفور، لأن بريطانيا ملزمة بإنشاء وطن قومي لليهود .

- ان تشكل في شرق الاردن مقاطعة عربية بقيادة الأمير عبدالله يكون مسؤولاً عنها أمام المندوب البريطاني دون أن تكون المقاطعة مشمولة في النظام الإداري لفلسطين، ودون أن تنطبق عليها شروط الانتداب. وليكون شرق الاردن مستعداً لاستقبال من يضطر من الفلسطينيين للمغادرة .

بدأت تتضح معالم المخطط البريطاني - الصهيوني في فلسطين منذ مطلع القرن العشرين، حيث أعلن الفلسطينيون رفضهم له، وأثاروا مخاطر هجرة اليهود الى فلسطين على الوجود العربي في فلسطين، وحذورا من السكوت على استمرار هذه الهجرة إلى بلادهم.

ويلاحظ أن الفلسطينيين في تلك الفترة كانوا يصرون على اعتبار فلسطين جزءاً من سورية الكبرى، ويرفضون تجزئة النضال، أو طرح مطالب إقليمية خاصة بهم، على الرغم من خصوصية قضيتهم لاختلاف الخطر عليهم عن بقية أبناء سورية الكبرى حيث إنهم كانوا مهددين بالهجرة اليهودية إلى بلادهم بتشجيع من الانتداب البريطاني، بينما كانت بقية الأقطار العربية تعاني من الاستعمار البريطاني او الفرنسي من دون أن تشكل الهجرة اليهودية أي تهديد ضدها.

ولذلك نجد أن الأمور تطورت في العشرينات، وبدأت تخرج أصوات من داخل فلسطين تطالب بالاستقلال الوطني الفلسطيني ، بعد إثارة كل قطر من الأقطار العربية لمشاكله الخاصة ودعوته للاستقلال القطري، وهو ما كانت تطمح إليه فرنسا وبريطانيا في المنطقة، على أساس أن يقوم كل قطر عربي بمواجهة مشاكله الخاصة به. وبدأ مفهوم "الدولة العربية الموحدة" التي وعدت بريطانيا بها الشريف حسين بن علي بالأفول في ظل الوجود الاستعماري الاوروبي، وانكفأ كل شعب في سورية الكبرى على نفسه، يعمل وحده ضد الوجود الاستعماري في بلاده.

وانعكس هذا الأمر على القضية الفلسطينية التي سارت هي أيضاً ضمن هذا التوجه. وبدأ بعض الفلسطينيين يطالبون باستقلال فلسطين دون اعتبار انهم جزء من جنوب سورية . وفي الوقت الذي كان فيه الشعب الفلسطيني يناضل ضد وعد بلفور وتزايد الهجرة اليهودية الى فلسطين بالتواطؤ مع الانتداب البريطاني، كانت الشعوب العربية مشغولة هي الاخرى بالعمل ضد الوجود الاستعماري في أراضيها، ولهذا فقد زادت الحركة الصهيونية من قوتها في الثلاثينات والأربعينات بمساعدة بريطانيا في غيبة الأمة العربية والإسلامية التي كانت تخوض معركة، وعندما استقلت الأقطار العربية أوائل الاربعينات، كان الوقت متأخراً جداً لكي تساهم تلك الجماهير مع الشعب الفلسطيني في معركته ضد الحركة الصهيونية وبريطانيا، إذ أعلن عن قيام الكيان الصهيوني، وكانت النتيجة ضياع فلسطين في حرب عام 1948، ودخلت منذ ذلك الوقت القضية الفلسطينية في أروقة السياسية العربية .

غير أن الصهاينة ظلوا يعتقدون أن كيانهم الذي أعلن فوق الأراضي المحتلة عام 1948 لم يشكل كل الأراضي التي يعتبرونها أرض اسرائيل، فكان أن استغل الصهاينة السنوات التالية لاعلان كيانهم من أجل تعزيز قوتهم العسكرية وطرد الكثير من المواطنين العرب من أراضيهم، وفي العام 1956 شاركت الدولة اليهودية مع فرنسا وبريطانيا في عدوان ضد مصر، وأبلغ ديفيد بن غوريون الكنيست أن من أهداف مشاركة الدولة اليهودية في العدوان «تحرير ذلك الجزء من الوطن القومي (شبه جزيرة سيناء) الذي كان يحتله الغزاة » .

غير أن البعد الاستراتيجي لاحتلال سيناء كان إبعاد القوات المصرية عن حدود الدولة اليهودية والحيلولة دون عبورها قناة السويس مما يتيح لها مهاجمة الكيان الصهيوني والوصول إلى النقب، وكان الصهاينة يرون في صحراء النقب هدفاً حيوياً يتوجب الدفاع عنه مهما كلف الأمر لأنها تشطر الوطن العربي إلى شطرين وتمنع الاتصال البري بينهما، وقد طالب الصهاينة الأمم المتحدة عام 1947 بالنقب، ولما اقترح الوسيط الدولي الكونت برنادوت عام 1948 ارجاع النقب للمواطنين العرب أقدم الصهاينة على اغتياله في اليوم التالي لاعلان اقتراحه .

ولم تفلح الجهود الاستعمارية في تحقيق الأهداف الصهيونية من خلال عدوان 1956، غير أن الجهود العربية ظلت قاصرة ومترددة مما منح الصهاينة فترة ذهبية لتعزيز قدراتهم العسكرية والتخطيط للهجوم حتى كان العام 1967 عندما اجتاحت القوات الصهيونية الضفة الغربية وقطاع غزة وهما ما تبقى من فلسطين بعد حرب العام 1948 تحت السيادة العربية، كما تمكن الصهاينة من احتلال شبه جزيرة سيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية ، وقد انسحبت قوات الاحتلال اليهودي من سيناء بموجب اتفاقيات سلام مع مصر وضمن شروط تجعل من البوابة الشرقية لمصر مشروعة عملياً أمام أي محاولة اجتياح يهودية، فيما لا زالت الدولة الصهيونية تحتل الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات لبنان إلى جانب شريط حدودي من جنوب لبنان .

المقاومة العربية

لم تتوقف جهود العرب في الدفاع عن حقوقهم في فلسطين منذ مطلع القرن ففي العام 1918تشكلت جمعية الفدائية وهي جمعية سرية ضمت عدداً من رجال الشرطة الفلسطينية ، وقد لعبت الجمعية دوراً مهماً في الإعداد للثورة العربية في فلسطين وفي نشر الوعي بالخطر الصهيوني بين عشائر البدو في شرق الأردن ضد اليهود غير أن اعتقال زعمائها أضعفها وقضى عليها غير أنه لم يوقف جهاد الفلسطينيين والعرب ضد المخططات الصهيونية فكانت ثورة النبي موسى (4 -10 نيسان /أبريل 1920) وثورة يافا (1-5 أيار / مايو 1921)، ثورة البراق ( 15آب / أغسطس 1929) وهي مواجهات محدودة كانت دوافعها عاطفية، ولم تكن منظمة مما حدّ من إمكانات تطورها أو تحقيق أهدافها وان كانت لعبت دوراً في تأجيج الصراع وتعطيل المشروع الصهيوني جزئياً وبشكل مؤقت .

في المقابل نظم مجاهدون قوى مقاومة كان أهمها حركة الشيخ المجاهد عز الدين القسام (1935) وكان الشيخ القسام قدم إلى حيفا من سوريا بعد إنهيار الثورة السورية ضد فرنسا، وبدأ نشاطه كمعلم ،ثم انضم إلى جميعة الشبان المسلمين عام 1926، وكان أحد مؤسسي فرع حيفا سنة 1928، وفاز برئاسة الفرع عندما جرت انتخاباته، ثم أصبح عضواً في اللجنة الإدارية للفراع سنة 1930 ثم عاد رئسياً للفرع سنة 1933.

وكان الشيخ القسام يتجول في أنحاء فلسطين بوصفه موظفاً شرعياً في المحكمة، وبدأ في تجنيد الشباب في خلايا من 5 أشخاص ، ونشر الدعوة ضد اليهود والبريطانيين واستطاع أن يؤسس حركة جهادية تستمد - فهمها من الإسلام وتتبنى منهجية العمل الجهاد طريقاً وحيداً لتحرير فلسطين، وبدأ القسام عملية بناء تنظيم سري اعتبر فيما بعد أهم منظمة سرية وأعظم حركة فدائية عرفها تاريخ الجهاد العربي في فلسطين خلال تلك الفترة .

كان معقله الرئيسي في الحي القديم في حيفا، حيث يقطن الفقراء، وأصبحت له شعبية كبيرة في جميع أنحاء فلسطي،. وفي عام 1935 نظم خمس لجان هي : الدعوة و الدعاية - التدريب العسكري - التموين - الانتخابات - العلاقات الخارجية، كما نظم ما بين 200- 800 من الأنصار.

وجاءت أحداث 1935 لتدفعه إلى البدء بالثورة في تشرين الثاني / نوفمبر من العام نفسه، وقد اعتبر إعلان حركة القسام للجهاد تغيراً أساسياً في مسار العمل العربي ضد المخططات الصهيونية التي كانت تعتمد على الجهود السياسية في محاولة الإصلاح والتغيير وتحقيق أماني أبناء الشعب الفلسطيني، والتجأ القسام مع 52 رجلاً من أنصاره في 12 / تشرين الثاني - نوفمبر 1935 إلى ضواحي مدينة جنين ودعا الفلاحين الفلسطينيين لمهاجمة القوات البريطانية في يعبد، وحاصرته القوات البريطانية وطلبت منه الاستسلام إلا أنه رفض، واستشهد مع اثنين من أتباعه، وتم أسر آخرين بعد معركة عنيفة خاضها القسام ورفاقه.

وأثار استشهاده الفلسطينيين في جميع أنحاء البلاد، وكانت جنازته بمثابة حداد وطني شامل في فلسطين. ويعتبر تنظيم القساميين الأول من نوعه نوعاً وهدفاً، إذ كان تنظيماً مسلحاً يستهدف اليهود والبريطانيين، وكان تنظيماً يقوم على الانتماء الإسلامي، وساهمت ثورة القسام واستشهاده في خلق وعي اسلامي ووطني فلسطيني بضرورة استعمال القوة لمقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين، لا سيما أن القسام شيخ وعالم شريعة قدم من سوريا ليقيم ويجاهد في فلسطين .

ولكن استشهاد القسام لم يخمد الثورة بل أجج نيرانها فكانت الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، والتي اعتبرت من أطول الثورات في تاريخ القضية الفلسطينية، حيث عمت المظاهرات والإضراب العام مدن وقرى فلسطين وكانت التحرك الشامل الأول من نوعه حيث تداخلت الوسائل المدنية للثورة مع العمليات الجهادية .

ويشير المؤرخون إلى أن من الأسباب غير المباشرة التي أدت الى قيام الثورة :

- تزايد عدد العمال العاطلين عن العمل .

- الهجرة اليهودية المستمرة ، والتواطؤ البريطاني الظاهر معها ومع كل جهود تنفيذ المشروع الصهيوني .

- تسرب الأراضي إلى اليهود ، بسبب الضغوط البريطانية على أصحابها العرب .

- الأزمة الاقتصادية الخانقة عام 1935 .

- ما حدث في مصر وسوريا ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي .

- الهجوم الإيطالي على الحبشة، الذي أحيا الأمل بحرب جديدة تعيد رسم سياسات جديدة في المنطقة .

- زيادة التوتر بين العرب واليهود في خريف عام 1935 .

وبدأت الأحداث في 15 نيسان / ابريل 1936 عندما قتلت المنظمات الفدائية مستوطناً صهيونياً وجرحت اثنين آخرين على طريق نابلس - طولكرم.

وفي الليلة التالية قتل اليهود مدنيين عربيين على الطريق العام إلى الشمال من مستعمرة عليبي، وعند تشييع جنازة المستوطن اليهودي حدثت اشتباكات مع العرب، وحدثت صدامات على حدود يافا- تل أبيب .

وأعلنت السلطات البريطانية منع التجول في يافا- تل أبيب، وفرضت حالة الطوارئ في جميع البلاد، وتشكلت في 20 نيسان /ابريل 1936 لجنة عربية في نابلس اعلنت الاضراب العام.


وبعد أن زاد عدد القوات البريطانية إلى قرابة 20 ألف جندي حصلت معارك عنيفة بين الثوار والقوات البريطانية والصهيونية في شهر تشرين الأول عام 1935. وقامت وفود فلسطينية بزيارات إلى عمّان والرياض وبغداد، ونتيجة لضغوطات بريطانية، قام الملوك والرؤساء العرب بإصدار نداء مشترك في 10 تشرين أول/ أكتوبر 1935 دعوا فيه العرب إلى «وقف الثورة، والاعتماد على النيات الطيبة" لصديقتنا بريطانيا العظمى التي أعلنت أنها ستحقق العدالة».

ونتيجة لذلك دعت اللجنة العربية العليا إلى وقف الإضراب، وإلى حل التنظيمات العربية وعودة الثوار العرب إلى دولهم .

وكانت حصيلة هذه الثورة : مقتل 16 رجل بوليس و22 جندياً بريطانياً، وجرح 104 رجال بوليس و148عسكرياً، ومقتل 80 مستوطناً صهيونياً وجرح 308 مستوطن صهيوني . أما العرب فقد استشهد منهم 145 رجلاً وجرح 804 آخرون .

وأرسلت بريطانيا لجنة بيل الملكية لتقصي الحقائق إلى فلسطين، ولكن الفلسطينيين أرادوا عدم مقابلتها، فهدد الملوك العرب الفلسطينيين، وطلبوا منهم الموافقة على مقابلة اللجنة .

غير ان الثورات لم تتوقف إذ تجددت بعد مقتل أندروز حاكم الجليل البريطاني وأقدم البريطانيون على اتخاذ سلسلة اجراءات انتقامية ضد القادة العرب في فلسطين مما جدد الثورة وعمت البلاد ثورة مسلحة أرغمت البريطانيين على التراجع عن عدد من مواقفهم السياسية التي كانوا يعتزمون بموجبها فرض تقسيم لفلسطين بين العرب والصهاينة .

أما الضربة الأشد التي تلقاها الجهاد العربي في فلسطين فكان هزيمة الجيوش العربية في حرب العام 1948، مما أحدث تحولات كبيرة في بنيان المقاومة والجهاد وسحب المبادرة من يد الشعب عملياً، وأحال الفلسطينيين إلى شأن رسمي تحكمه التوازنات الداخلية وسياسات الأنظمة .

إلا أن ظهور المنظمات الفدائية أعاد في البداية الاعتبار للدور الشعبي في مواجهة المشروع الصهيوني وزج بالجماهير كطرف أساسي في المعادلة وهو طرف أرغم الأنظمة الرسمية على تبني مواقف ساهمت في الحيلولة دون تمدد الدولة العبرية وإحباط مشاريعها أحياناً .

وبسبب أخطاء قيادات منظمات المقاومة تقلص دور الجماهير وتحولت منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت مظلة العمل الفلسطيني إلى شبه سلطة على الجماهير وحركتها، وهو وَضْعٌ حدَّ كثيراً من حركتها بسبب تشابك المصالح الخاصة بالمنظمة وقيادتها مع مصالح الأنظمة العربية والقوى الاقليمية

وبسبب أخطاء قيادات منظمات المقاومة تقلص دور الجماهير وتحولت منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت مظلة العمل الفلسطيني إلى شبه سلطة على الجماهير وحركتها، وهو وَضْعٌ حدَّ كثيراً من حركتها بسبب تشابك المصالح الخاصة بالمنظمة وقيادتها مع مصالح الأنظمة العربية والقوى الاقليمية والدولية .

إلا أن طبيعة المشروع الصهيوني وأبعاده التي تتعرض لحياة الانسان العادي ووجوده ظلت محفزاً أساسياً للجماهير من أجل الانخراط في مقاومة المشروع وابتكار وسائل مناسبة لذلك، فكانت الثورات الشعبية التي توجها الشعب الفلسطيني بانتفاضته المباركة عام 1987 وظهور حركة المقاومة الاسلامية "حماس" التي نشأت وترعرعت خارج رحم السلطة وفي أحضان الشعب الرئيسي والجماهيري باعتبارهم المستهدف الأول من المشروع الصهيوني والمتضرر الرئيسي من إجراءات الصهاينة، وخط الدفاع الذي لا ينكسر في مواجهة المشروع الصهيوني، فالأنظمة والنخب قد تفتر وقد تهزم وقد تنمحي غير أن الشعب والجماهير لا تموت مهما أثخنتها الجراح فتظل قادرة على النهوض من جديد والمقاومة حتى النصر .


المصدر..المركز الفلسطيني للاعلام


الجمعة، 7 مايو 2010

أزمة الإستراتيجية في منهج التغيير(३)

لكننا نلحظ تغيرا في هذه الاستراتيجية بعد العام العاشر من البعثة .. وهو العام الذي فقد فيه النبي صلى الله عليه وسلم تأييد العشيرة بوفاة أبي طالب وازدادت فيه شراسة قمع السلطة السياسية في قريش وجرأتهم على النبي صلى الله عليه وسلم لدرجة أيس منها صلى الله عليه وسلم من كسب تأييد النخبة السياسية بقريش. حينها غير النبي صلى الله عليه وسلم البندين الأوليين من الاستراتيجيه ليصبحا:
1- إيجاد سلطة ترحب بالفكرة وتعينه على تبليغ الدعوة
2- دخول صراع مع قريش لتحييدها (خلوا بيني وبين الناس) مما يمكنه صلى الله عليه وسلم من التحرك في الجزيرة العربية
ثم الانطلاق بالدعوة بعد استقرار الأوضاع إلى المحيط العالمي.

فنرى النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى ثاني القريتين الطائف محاولا إيجاد النصرة فيها لما تتمتع به من قوة ومكانة تؤهلها للتصدي لقريش .. وبعد فشل المحاولة دأب صلى الله عليه وسلم في عرض فكرته على القبائل حتى وفقه الله صلى الله عليه وسلم لهذه الثلة المؤمنة من يثرب .. وبعد الهجرة دخل النبي صلى الله عليه وسلم من العام الثاني للهجرة في صراع لتحييد قريش حتى تخلي بينه وبين الناس لينجح في ذلك في العام السادس من الهجرة عن طريق صلح الحديبية .. وبعد استقرار الأوضاع وفي طريق عودته من الحديبية بدأ صلى الله عليه وسلم في الانطلاق بالدعوة عالميا بمكاتبة الملوك والأمراء .. وانتهى الأمر ببداية المناوشات مع القوى العظمى العالمية في مؤتة وتبوك .. ليكمل الخلفاء الراشدون من بعده صلى الله عليه وسلم توصيل دعوة الإسلام للعالمين.

ولا تكتمل الفائدة من عرض هذه الاستراتيجية حتى نجيب على سؤال هام وهو .. ما هو الثابت الذي يجب ان تلتزم به حركتنا وما هو المتغير الذي يجوز لها أن تبدله في هذه الاستراتيجية ؟ .. والإجابة التي قد تكون عكس المتوقع أن هذه الاستراتيجية في مجملها تعتبر أمرا متغيرا من وجهة نظري .. وهذا ببساطة لأن الظروف التي وضعت فيها هذه الاستراتيجية وطبقت ونجحت تختلف تماما عن الظروف التي نعمل خلالها الآن وذلك في نواح ثلاث:
1- اختلاف البيئة القبلية بظروفها الإجتماعية والسياسية عن الظروف الاجتماعية والسياسية في الدول الإسلامية .. فلا يجوز مثلا ان نقول أن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التغيير هو عبر آلية سياسية متمثلة في طلب النصرة من اهل المنعة في المجتمع (وهي حاليا مؤسسة الرئاسة او القوات المسلحة) وهي استرتيجية يجب أن نتبعها (كما يفعل حزب التحرير مثلا)
2- اختلاف الوضع العالمي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والذي لم تكن فيه القوى العظمى على دراية بهذا الدين ولا بالصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش حتى راسلها النبي صلى الله عليه وسلم في العام السابع من الهجرة ( أي بعد عشرين عاما من البعثة) وهذا يتضح في رد فعل قيصر مثلا ( الذي طلب أن يلتقي بأحد من العرب ليستفهمه عن هذا النبي وجرى بينه وبين أبي سفيان الحوار الشهير) أو في رد فعل كسرى (الذي أرسل لأميره على اليمن يأمره بإرسال جنديين لاعتقال النبي صلى الله عليه وسلم) هذا الوضع مكن النبي صلى الله عليه وسلم من ترتيب الوضع الداخلي وتحقيق الاستقرار الإقليمي قبل أن يدخل في صراع مع القوى العظمى .. هذا الوضع يختلف تماما عن الوضع الحالي الذي تملك فيه القوى العظمى في المجتمع الدولي آلاف الأبحاث والدراسات عن حركة الإحياء الإسلامي وأفكارها ورموزها وأهدافها كما انها تدخل بالفعل في صراع مباشر او غير مباشر معها (عبر الانظمة التسلطية العلمانية) مما يفرض على الحركة الإسلامية صراعا مع هذه القوى قبل ان تحقق استقرارا في بيئتها المحلية.
3- الأمر الثالث البدهي هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرك بالإسلام في بيئة كافرة بينما تتحرك دعوتنا بأفكار إحياء إسلامي في بيئة مسلمة درست معالمها الإسلامية .. وكلا الحالتين مختلفتان في أحكامهما الفقهية ولغة الخطاب التي يجب أن تستخدم وأساليب الدعوة الملائمة.
ومع هذا تظل بعض القواعد والأسس التي تبقى ثوابتا لأي استراتيجية إسلامية صحيحة مثل الاهتمام بتربية أبناء الحركة تربية إيمانية وروحية عميقة ومثل رفض استخدام العنف والإكراه ونحو ذلك كآليات للتغيير داخل مجتمعاتنا.

والخلاصة أننا نخطئ حين نصر على التمسك بآلية التغيير التحتي ونرفض أي محاولة نقد أو تقييم لها ونغلق الباب أمام أي اجتهادات أخرى أكثر ملائمة لأوضاعنا الراهنة ونزعم أن أي سعي للسلطة الآن هو استباق لمرحلة المجتمع المسلم تحت دعوى أن التغيير التحتي هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التغيير لأن هذا التصور لا يتماشى مع حقائق السيرة من جهة .. وأن استراتيجية التغيير التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم لا تتلاءم بمجملها وتعقيدات الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نعيشها في عالمنا الآن من جهة أخرى.
--4—
ونعود ثانية لمناقشة استراتيجية الجماعة المتمثلة في المراحل التي صاغها الإمام البنا بدءا بالفرد المسلم فالأسرة المسلمة فالمجتمع المسلم فالحكومة المسلمة وانتهاء بدولة الخلافة وأستاذية العالم فنتساءل أين الخلل؟!! ولماذا تتعثر الجماعة في خطوتها الثالثة أكثر من ثمانين عاما؟! ولماذا لا تؤتي مساعيها الدؤوبة من أجل تحقيق المجتمع الإسلامي النتائج المرجوة؟! ومتى وكيف يمكن الانتقال لمرحلة الحكومة المسلمة؟!

أزعم أن المشكلة الرئيسية بخصوص هذه الاستراتيجية هي أنها قد صيغت في ظروف قد تغيرت ووفق قراءة لواقع قد تبدل .. بمعنى أن هذه الاستراتيجية التي صاغها الإمام البنا رحمه الله هي بنت الحقبة الليبرالية في التاريخ المصري والتي امتدت ثلاثين عاما (من 1922 إلى 1952) .. هذه الحقبة التي كان يمكن خلالها تكوين جمعية اهلية دعوية فتتحرك في المجتمع وتنتشر بشعبها ومساجدها وبمدارسها وشركاتها وبأنشطتها وإصداراتها في طول البلاد وعرضها خلال سنوات معدودة .. هذه الحقبة التي كانت تتمتع بانتخابات نزيهة وتداول سلمي للسلطة بحيث يمكن أن نتخيل انه حين ينضج الخطاب الإسلامي السياسي ويملك رؤية واضحة للتعامل مع الواقع وحين ينجح في توصيل فكرته للمجتمع أن ينال ثقة الناخب ليحمله إلى البرلمان بل وإلى تشكيل الحكومة.


وبالرغم من أن هذه الاستراتيجية وفق معطيات هذه الحقبة تبدو منطقية إلا انها تعرضت لانتكاسة خطيرة في عام 1948 وذلك يرجع إلى أمرين : أولهما ان الجماعة خرجت بعد الحرب العالمية الثانية وهي أصلب القوى السياسية عودا وأكثرها شعبية وأوسعها تأييدا مما أغراها – وأغرى بها – لتدخل في صدام مع كافة القوى السياسية الرئيسية في المجتمع آنذاك .. إذ خاضت الجماعة صراعا مع الوفد (حزب الأغلبية) من جهة ومع الملك واحزاب الأقلية من جهة ثانية ومع الشيوعيين من جهة ثالثة .. ثانيا: هو دور الجماعة في حرب 1948 والذي تسبب في تغير استراتيجية القوى الدولية في التعامل مع الجماعة بعد ان أدركت مدى قوتها وخطورتها على مصالحها في المنطقة .. فبدلا من المراقبة عن كثب ومحاولة الاحتواء قررت هذه القوى الإجهازعلى الجماعة واستئصالها ... وهكذا دخلت الجماعة صراعا عنيفا مع القوى الخارجية دون ظهير من القوى الداخلية .. فكانت موازين القوة بالتأكيد في غير صالح الجماعة.

وبعد ثورة يوليو 1952 ثم الصدام المروع مع الجماعة (والذي ربما أعود للحديث عنه لاحقا) في عام 1954 دخلت مصر نفق الحكم العسكري وتمت تصفية منظمات المجتمع المدني وتم حظر الأحزاب وفرضت الرقابة على الإعلام وأممت الحياة السياسية فلا انتخابات حقيقية ولاتداول للسلطة .. وبالرغم من خروج أعضاء الجماعة من السجون حوالي عام 1974 وبالرغم من بعض اجراءات التحول الديمقراطي عام 1977 والذي أعاد الحياة الحزبية (ولو شكليا) وبالرغم من إجراء الانتخابات النيابية في مصر بشكل منتظم ودوري أوالطفرة في نشاط منظمات المجتمع المدني منذ منتصف التسعينيات أوزيادة سقف حرية التعبير عن الرأي إلا أن سمات الحكم الديكتاتوري لا تزال تغلب على نظام الحكم في مصر فلا انتخابات نزيهة ولا تمثيل نيابي حقيقي ولا تداول سلمي للسلطة ومازال الأمن ممسكا بكافة الملفات السياسية للبلد ومازال مسلسل التنكيل بالمعارضين مستمرا.

ويكون هنا السؤال .. في ظل هذه الظروف كيف يمكن للجماعة أن تتبنى استراتيجية الفرد المسلم فالأسرة المسلمة فالمجتمع المسلم فالحكومة المسلمة؟! إذ كيف يمكن للجماعة أن تنجح في تغيير المجتمع وأفرادها مهددون وتنظيماتها دون غطاء قانوني ورموزها معتقلون وصحفها مصادرة ومساجدها مؤممة ومدارسها محاربة؟ وإذا فرضنا أن الجماعة نجحت في تغيير المجتمع وإقناعه بمشروعها عن الإسلام الوسطي الشامل .. أين هي الانتخابات التي ستعكس رأي هذا المجتمع لتأتي بالحكومة الإسلامية ؟!

ولهذا فإننا نخطئ حين نجعل الآن من تكوين المجتمع المسلم هدفنا المرحلي الاهم الذي لابد أن توجه له كل الجهود وتفرغ له كل الطاقات ويقدم له كل الدعم والإمكانيات في حين نكتفي بالتمثيل المشرف والمشاركة الرمزية في مجال مقاومة النظام المستبد والسعي من أجل التحول الديمقراطي ॥ لأننا ببساطة إذا أردنا ان نطبق استراتيجية الإمام البنا رحمه الله فلابد ان نستعيد أولا الحالة الليبرالية التي كانت عليها مصر حين صاغها .. هذا بالطبع مع الاستفادة من تجارب الماضي ودراسة متغيرات ومستجدات الحاضر سواء بسواء।

منقول من موضوع الاخ عمار البلتاجي علي الملتقي الاخواني
 
© 2009/ 11/25 *هذاالقالب من تصميمى * ورود الحق