الأحد، 25 أبريل 2010

براءة سيد قطب من التكفير ووثائق تؤكد دعوته للدولة المدنية

قال لصلاح نصر: لم أكفّّر الناس ومن يدّعِ هذا يُشوّه أفكارى

معظم من يدعون أن سيد قطب «إمام التكفيريين» يستندون إلى ما كتبه فى موسوعته «فى ظلال القرآن» من أنه توجد «أقوام من الناس من سلالات المسلمين ويقطنون ديار الإسلام إلا أنها.. هجرت الإسلام حقيقة، وأعلنته اسمًا»، والشاهد الثانى أنه يعتبر مساجد المسلمين «كمعابد الجاهلية»، والثالث قوله: «لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد.. وإن ظل فريق منها يردد على المآذن «لا إله إلا الله» دون أن يدرك مدلولها» ورابع الشواهد هو أمره للعصبة المؤمنة بأن تقيم الصلاة فى بيوتها واعتزال المساجد، مستندا إلى قوله تعالى: «وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ».

هذه الشواهد هى أكثر ما يستند إليه مهاجمو سيد قطب بادعاء أنه إمام التطرف والتكفير، لكن الحقيقة أن الكثير من هذه المقولات مردود عليها فالأستاذ محمد قطب أخو الأستاذ سيد يقول إنه: لم يقل فى حياته «إن فلانا كافر» وكتب حينما اشتد اللغط حول أخيه قائلاً: إن كتابات سيد قطب قد تركزت حول موضوع معين هو بيان المعنى الحقيقى لـ «لا إله إلا الله» شعوراً منه بأن كثيراً من الناس لا يدركون هذا المعنى على حقيقته وبيان المواصفات الحقيقية للإيمان كما وردت فى الكتاب والسنة، شعوراً منه بأن كثيراً من هذه المواصفات قد أهمل أو غفل الناس عنها، ولكنه مع ذلك حرص حرصا شديدا على أن يبين أن كلامه هذا ليس المقصود به إصدار أحكام على الناس وإنما المقصود به تعريفهم بما غفلوا.. ولقد سمعته بنفسى أكثر من مرة يقول «نحن دعاة لسنا قضاة» وإن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة لا إله إلا الله.. كما سمعته أكثر من مرة يقول إن الحكم على الناس يستلزم وجود قرينة قاطعة لا تقبل الشك، وهذا أمر ليس فى أيدينا، ولذلك فنحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس فضلا عن كوننا دعوة ولسنا دولة، دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم. وهذا يثبت أن سيد قطب لم يكن يوماً داعياً إلى تكفير الناس كما يدعى الإرهابيون والمتطرفون.

أما دعوته للناس إلى اعتزال معابد الجاهلية أو المساجد فلها سياق محدد لا يجب أن نقتطعه منه، وابن كثير نفسه فى تفسيره لآية «واجعلوا بيوتكم قبلة» يكاد يتطابق مع ما ذهب إليه «قطب» حيث قال: «إن بنى إسرائيل كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا فى بيوتهم» وقطب يذكر هذه الآية ويأمر باتباعها متوجها بكلامه إلى العصبة المؤمنة التى تخشى أن ينالها أذى، بما يعنى أنه جعل هذا الأمر فى حال الخوف من الطواغيت، أما المساجد التى أسست على تقوى من الله والتى أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يقول عنها قطب: «إذن الله هو أمر للنفاذ، فهى مرفوعة قائمة وهى مطهرة رفيعة يتناسق مشهدها المرفوع مع النور المتألق فى السماء والأرض وتتناسق طبيعتها الرفيعة مع طبيعة النور السنى المضىء وتتهيأ بالرفعة والارتفاع لأن يذكر فيها اسم الله».

والذين يعرفون سيد قطب يجزمون بأنه كان شديد الصدق حتى فى أشد الموقف وأصعبها، وكذبة واحدة كانت قادرة على أن تنجيه من حبل المشنقة، ومع ذلك يقول فى أحد المحاضر إنه لم يكفر المجتمعات ولا الأفراد، وحينما سأله صلاح نصر عما إذا كان يرى أن وجود الأمة المسلمة قد انقطع منذ مدة طويلة ولا بد من إعادتها للوجود، قال: لا بد من تفسير مدلول كلمة الأمة المسلمة التى أعنيها، فالأمة المسلمة هى التى تحكم كل جانب من جوانب حياتها الفردية والعامة.. السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية بشريعة الله ومنهجه، وهى بهذا الوصف غير قائمة الآن فى مصر ولا فى أى مكان فى الأرض، وإن كان هذا لا يمنع من وجود الأفراد المسلمين، لأنه فيما يتعلق بالفرد.. الاحتكام إلى عقيدته وخلقه، وفيما يتعلق بالأمة الاحتكام إلى نظام حياتها كله.

وأوضح أننا لم نكفر الناس، وهذا نقل مشوه، إنما نحن نقول إنهم صاروا من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة، وعدم تصور مدلولها الصحيح، والبعد عن الحياة الإسلامية، إلى حال المجتمعات الجاهلية، وأنه من أجل هذا لا تكون نقطة البدء فى الحركة هى قضية إقامة النظام الإسلامى، ولكن تكون إعادة زرع العقيدة، والتربية الأخلاقية الإسلامية، فالمسألة تتعلق بمنهج الحركة الإسلامية أكثر ما تتعلق بالحكم على الناس.

ويقول الشيخ عمر التلمسانى، المرشد العام الراحل لجماعة الإخوان المسلمين: ما أراد الشهيد الأستاذ سيد قطب فى يوم من الأيام أن يكفِّر مسلمًا؛ لأنه أعلم الناس بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى أكثر من حديث: «مَن قال لا إله إلا الله موقنًا بها قلبه لن يخلد فى النار». ونحن نعلم أنه لن يخلد فى النار إلا الكافرون! وهم الذين ينكرون وحدانية الواحد القهار! هذه واحدة، كما أن كثرة ترديده «للمجتمع الجاهلى» لم يقصد بها تكفير المجتمع، ولكن تشديد النكير على الظلمة والطغاة والمستغلِّين والمشكِّكين.. وهو أسلوب تعرفه اللغة العربية.. ولم يقصد بذلك التكفير، ولكن أن ذلك ليس من سنتنا أو عملنا، والقصد تقليل الدرجات!. والذين يعرفون الشهيد سيد قطب، ودماثة خلقه، وجمَّ أدبه، وتواضعه، ورقة مشاعره، يعرفون أنه لا يكفِّر أحدًا!

وأهمية شهادة «التلمسانى» لا تأتى من كونه مرشد الإخوان المسلمين ولكنها تأتى من أحد معاصريه وزملائه فى الحياة، والمعتقل الذى كتب فيه كتابه الشهير «معالم على الطريق».
أما قول سيد قطب بأن المجتمعات فسدت وأنها عادت إلى الجاهلية وإنكاره للإسلام على الناس فهذا المعنى مجازى، أى صيغة مبالغة يعرفها من درس كتب سيد قطب خاصة كتابه الأشهر «فى ظلال القرآن» الذى كتبه بأسلوب أدبى ولم ينس فيه أنه شاعر فى الأساس، ولا أعرف لماذا يحرم الناس على «قطب» هذا الأسلوب ولا يتسامحون معه ويعتبرونه صكا تكفيريا، فى حين أن الإمام محمد عبده له مقولة تكاد تتماثل مع مقولة قطب، ذلك حينما رجع عبده من باريس فقال: ذهبت إلى باريس فوجدت إسلاماً بلا مسلمين، ورجعت إلى هنا فوجدت مسلمين بلا إسلام، وبالطبع لم يقصد الإمام تكفير الناس فى مصر أو إخراجهم من الملة، ولكنه أراد أن يصف بأسلوب مجازى حال المسلمين وابتعادهم عن أخلاقيات الإسلام التى وجدها فى المجتمعات الغربية، وإذا طبقنا نفس الطريقة على الإمام محمد عبده لتبين أنه أيضا إمام للتكفيريين لمن يريد أن يؤول كلامه على طريقته التى تحمل الكثير من سوء النية والجهل باللغة وعدم التفهم.

دليل آخر يسوقه المستشار فيصل مولوى، نائب رئيس المجلس الأوروبى للبحوث والإفتاء، يثبت عدم تكفير سيد قطب للمجتمعات الإسلامية فيقول: لم أقرأ نصاً واحدا للشهيد يدعو لتكفير الناس، لكن كثيراً من النصوص التى قالها تثير إشكالا ويمكن أن يساء فهمها، والدليل على هذا تفسير قطب لآية (والذين آمنوا ولم يهاجروا، ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر) من سورة الأنفال. التى يقول فيها قطب: فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء فى المجتمع المسلم، ومن ثم لا تكون بينهم وبينه ولاية، ولكن هناك رابطة العقيدة، ويشرح «مولوى» قائلاً: فقطب لم يحكم على هؤلاء المسلمين بالردة مع أنهم يعيشون خارج المجتمع المسلم، واحتفظ لهم بصحة العقيدة، وذلك هو الموقف الصحيح لأن الله تعالى وصفهم بالإيمان.

والدليل الثانى الذى يسوقه «مولوى» يأتى فى تفسيره لقوله تعالى فى سورة النساء: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً) يقول قطب: «يأمر الله المسلمين إذا خرجوا غزاة، ألا يبدأوا بقتال أحد أو قتله حتى يتبينوا، وأن يكتفوا بظاهر الإسلام فى كلمة اللسان، إذ لا دليل يناقض كلمة اللسان» فالسيد يكتفى هنا بظاهر الإسلام فى كلمة اللسان، ويعتبر الإنسان بذلك مسلماً معصوم الدم، ولوقلنا إن سيد قطب يعتبر المؤذن مرتداً بمعنى الكفر واستباحة الدم، لكان هذا متناقضًا مع ما ورد فى تفسير هذه الآية عند سيد قطب نفسه.

المصدر اليوم السابع

السلفيون والحراك السياسي

د. رفيق حبيب


تمر مصر بموجات من الحراك السياسي، التي مازالت لا تحقق الكثير من التغيير، ولكنها تمثل مقدمات قد تؤدي في النهاية إلى تغيير النظام السياسي القائم، خاصة وأن استمرار هذا النظام بات أمرا غير ممكن، لما وصل له من استبداد شامل وفساد مستشري، وفشل واسع، أوصل الدولة المصرية إلى مرحلة الدولة الفاشلة. وهنا تبرز خصوصية المرحلة السياسية التي تمر بها مصر، فهي مرحلة تتجاوز حالة الجمود الكامل، وإن لم تصل إلى مرحلة الحراك الفاعل. وفي ضوء هذه الحالة، يفترض أن يتقدم المجتمع المصري بمختلف تياراته واتجاهاته ليطرح تصوراته عن المستقبل، ويطرح آماله في التغيير والإصلاح. فكل حالة من حالات التحول السياسي القائمة على إرادة المجتمع الحرة، تعتمد على تبلور رؤى المجتمع بصورة تظهر تياراته الفاعلة، وتحدد توجهات أغلبيته المعتبرة، بما يشكل توجهاته السياسية الأساسية، ويحدد ملامح النظام السياسي المناسب له والمعبر عنه، والملتزم بهويته ومرجعيته.

وحتى يأتي الحراك السياسي بالنتائج المرجوة منه، تحتاج عملية الحراك إلى مشاركة كل فئات وشرائح وتيارات المجتمع المصري، في تشكيل رؤيته المستقبلية. ولكن هناك تيارات بعينها تبتعد عن العمل السياسي، وترى أهمية تأجيل أي نشاط سياسي لها، ومنها التيار السلفي. ولا يمثل التيار السلفي مجرد مكون من مكونات تيارات المجتمع، ولكن يمثل أيضا واحدا من أهم مكونات تيارات الصحوة الإسلامية، حيث يمثل التيار السلفي وتيار الإخوان، قطبي تيار الصحوة الإسلامية الواسع. والتيار السلفي في مصر، يغلب عليه ترك العمل السياسي، ويرى أن من السياسة ترك السياسة، ولكن الأمر يحتاج أولا لتعريف المقصود بالسياسية.

فهناك التنافس السياسي للوصول للسلطة، والتيار السلفي لا يدخل في هذا التنافس، بل أن جماعة الإخوان المسلمين نفسها لا تنافس من أجل الوصول للسلطة، ولم تقدم نفسها كبديل للسلطة لحكم مصر. فمن المناسب لكل التيار الإسلامي عدم الدخول في مرحلة التنافس للوصول للسلطة، إلا عندما تبنى الأسس اللازمة لذلك، وعلى رأسها تحرير إرادة المجتمع، مما يفتح الباب أمام التنافس للوصول للسلطة. وبالنسبة للتيار الإسلامي، فإنه طلبه للسلطة والتنافس عليها، يأتي بعد أن يتبنى المجتمع مشروعه، ويصبح راغبا في تحقيقه في المجال السياسي.

ولكن للسياسة معنى آخر، غير التنافس للوصول للسلطة، وهو العمل السياسي العام القائم على نشر رؤية سياسية بعينها، ودعوة الناس لتبنيها، والمشاركة في الفعاليات السياسية والانتخابية بمختلف أشكالها. وهذا المعنى العام للسياسة هو الذي تمارسه جماعة الإخوان المسلمين، وهو يهدف إلى نشر ثقافة المشاركة السياسية، والتأثير في المجال السياسي، والمشاركة في التفاعل السياسي الحادث. والتيار السلفي في مصر يرفض الدخول في مرحلة العمل السياسي العام، ويرى أن من السياسة ترك السياسة، وهذا أمر تقدره قيادات التيار السلفي، فقد يكون من المناسب للتيار السلفي أن يركز على العمل الدعوي الديني في هذه المرحلة. ولكن التيار السلفي ليس تنظيما، وبالتالي قد ينصح قادة التيار أتباعهم بعدم المشاركة في العملية السياسية لما تعاني منه تلك العملية من ضغوط داخلية وخارجية خاصة من النخب العلمانية والقوى الغربية، ولكن يبقى لكل فرد حرية المشاركة أو عدم المشاركة حسب قراره الخاص، لأنه لا ينتمي لتنظيم قدر انتماءه لتيار.

ولكن المشكلة ليست في عدم رغبة التيار السلفي في تمثيل نفسه في العملية السياسية، فهذا اختياره، ومع تعدد الاختيارات قد تتكامل الأدوار وتتنوع، ولكن المشكلة في تأجيل التفكير في السياسة، وتأجيل الدعوة لرؤية سياسية بعينها، وتأجيل المشاركة الفردية في العملية السياسية. فتأجيل التفكير في السياسة، وتأجيل تحديد مواقف من العملية السياسية، يعني أن التيار السلفي يخرج الفئة التي يمثلها من المجال السياسي بالكامل، وبالتالي يخرجها من التأثير على مجريات العملية السياسية وما تحمله من احتمالات مستقبلية. فيصبح لدينا تيارا مهما مغيبا عن العملية السياسية، وغير مشارك في ما يحدث، فإذا حدث تحول سياسي مهم في المنظومة السياسية المصرية، يجد هذا التيار نفسه بعيدا عما حدث ولم يشارك فيه، ولم يكن له رأيا فيه، ولم يعطى لوجوده وزنا ولم يحسب له حسابه. فكل تطور سياسي حر، يعتمد على الأوزان النسبية للتيارات الفاعلة في المجتمع، والتيار الذي يغيب عن الفعل السياسي، يسقط وزنه النسبي من تركيبة المجتمع، وبالتالي يسقط وزنه النسبي من التركيبة السياسية للمجتمع، مما يؤدي إلى خلل في دور التيارات الفاعلة في المجتمع، وخلل في أوزانها النسبية. وقد يؤدي هذا إلى رفض التيار السلفي لكل تغيير يحدث في المجال السياسي، فيبقى بعيدا عن العملية السياسية، ثم عندما يصبح مضطرا للمشاركة فيها، يجد نفسه رافضا لها، ولم يشارك فيها، ولم يحسب له حساب فيها، وكل هذه العوامل تبعد التيار السلفي عن ما يحدث، وتجعله منعزلا عن مجريات الأمور، بصورة قد تجعل حركة التغيير تسبق حركته، وتتحرك بمعزل عن تأثيره.

نقصد من هذا، أن قرار التيارات الإسلامية كلها بعدم التنافس للوصول للسلطة هو قرار موضوعي، يتناسب مع حالة الاستبداد القائم، فالتنافس على السلطة يحدث بعد تحرير إرادة المجتمع ليختار مرجعيته بنفسه، ثم يختار من يمثله ويختار من يحكمه. كما أن بعد بعض التيارات الإسلامية عن العمل السياسي المباشر، يمكن أن يعبر عن التنوع الطبيعي في أدوار تلك التيارات. ولكن المهم أن لا يقف التيار السلفي في وجه التيارات الإسلامية التي تمارس العمل السياسي، ولا يعرقل عملها، لأنه بهذا يغيب كل التيار الإسلامي عن الساحة السياسية، ويتركها للتيارات غير الإسلامية، كما أنه من المهم أن لا يؤجل التيار السلفي التفكير في السياسة، وتحديد موقف من القضايا السياسية، مما يسمح للأفراد المنتمين له بالتواجد في الساحة السياسية، فيتحقق للتيار السلفي الحضور اللازم لإظهار وزنه في المجتمع، حتى لا تتشكل الصورة السياسية للمجتمع بشكل يتجاهل بعض تياراته الغائبة عن الساحة السياسية.

وهناك فرق بين العمل السياسي المباشر المؤدي للمواجهة مع السلطة الحاكمة، والدعوة السياسية المشكلة للرأي العام، والتي تصنع توجهات الرأي العام. فالدعوة السياسية، وهي نشر كل تيار لرؤيته السياسية، حتى وإن لم يمارس أي عمل سياسي مباشر، تشكل توجهات الرأي العام، وتظهر توجهات المجتمع المختلفة، وتبين أوزانه النسبية، مما يجعل للرأي العام حضوره القوي، بأوزانه النسبية، في أي عملية تغيير أو إصلاح سياسي، قد تحدث في المستقبل، ولو تدريجيا.

السبت، 24 أبريل 2010

السنة والشيعة.. دروس من صلاح الدين الأيوبي

السنة والشيعة.. دروس من صلاح الدين الأيوبي

محمد بن المختار الشنقيطي

في الصراع الطائفي الدائر رحاه اليوم في العراق والمنطقة يتم استدعاء التاريخ بطريقة انتقائية عرجاء، فيتخذ منه الطائفيون من السنة ومن الشيعة على حد السواء حطبا لإلهاب المعركة، ووصم الطرف الآخر بوصمة الشر، تبريرا لارتكاب جرائم دموية ضده لا يسوغها عقل ولا شرع.

فأهل السنة أصبحوا في نظر بعض الشيعة وهابيين نواصب، أعداء لآل البيت النبوي، يجب الثأر منهم لمصارع آل البيت في القرن الأول الهجري.

والشيعة أصبحوا في نظر بعض أهل السنة روافض باطنيين يظهرون الإسلام ويضمرون الكفر، وخنجرا في خاصرة الأمة، وطابورا خامسا يخدم أعداءها من داخلها.

وفي هذا الجو المشحون بالتعبئة والكراهية العمياء، نسي الطرفان أن التاريخ الإسلامي ليس تاريخ صراع بين السنة والشيعة، كما نسوا أن الطرفين -على عمق الخلاف الفكري والفقهي بينهما- اصطفا في خندق واحد أكثر من مرة حين جد الجد، وتعرضت الأمة للاستباحة من طرف أعدائها.

كما غابت عن بال هؤلاء الطائفيين مظاهر الحكمة والرحمة في تعامل المسلم مع أخيه المسلم المخالف له في فهم جوانب من العقيدة، أو في تطبيق مظاهر من الشريعة.

وفي هذا المقال نذكر الطرفين بسابقة تاريخية من القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي، الذي يستوطن في العقل الجمعي الإسلامي مكانة خاصة.

وهو قائد عاش في عصر شبيه بعصرنا من حيث استباحة بيضة الأمة وتكالب أعدائها عليها وافتراق كلمتها. لكنه بتركيب عجيب بين الشجاعة والحزم من جانب، والحكمة والرحمة من جانب آخر، استطاع أن يستعيد بيت المقدس من أيدي الصليبيين وينقذ مصر من شرهم، ويوحد كلمة الأمة في عصر عز فيه الموحد والناصر، وساد المفرق والمخذل.

وكان له كل ذلك بفضل فقهه بسلم الأوليات، ووعيه العميق بظروف الطوارئ التي تمنع استنزاف الذات في الحروب الكلامية والصراعات الجانبية.

والسابقة التاريخية المقصودة هنا هي تعامل صلاح الدين الأيوبي مع حكام الدولة العلوية الفاطمية في مصر الذين أعلنوا أنفسهم خلفاء مجانبةً للخلافة العامة في بغداد، وخرجوا على جمهور الأمة في مذهبهم العقدي والفقهي خروجا لم تفعله طائفة مسلمة معتبرة في تاريخ الإسلام، وضايقوا أهل السنة في مصر حتى أصبحت قراءة صحيح البخاري جريمة.

ومع كل ذلك فإن تعامل صلاح الدين الأيوبي مع هذه الدولة المارقة كان محكوما بمنطق غير طائفي، وكان مبنيا على إدراك عميق لظروف الطوارئ التي تعيشها الأمة وهي محاصرة بين فكَّيْ الخطر الصليبي القادم من الشمال، والزحف المغولي الداهم من الشرق.

منهج الحكمة والرحمة والوفاء

أول ما يلفت النظر هنا استنجاد الخليفة الشيعي الفاطمي في مصر بحاكم الشام السني نور الدين زنكي، وهو ما فتح الباب لقدوم صلاح الدين إلى مصر وعمله وزيرا للدولة الفاطمية، وقتاله الصليبيين تحت رايتها سنين عديدة، دون اعتبار للخلاف المذهبي بين الطرفين.

كما يلفت النظر أيضا أسلوب الحكمة والرحمة والوفاء الذي تعامل به صلاح الدين مع القيادة الفاطمية، حينما مال ميزان القوة لصالحه، وأصبح قائدا عسكريا مسيطرا، ثم أخيرا ملكا لمصر والشام، بعد وفاة الخليفة الفاطمي العاضد.

يروي ابن شداد -وهو كاتب صلاح الدين الخاص ومؤرخ سيرته- في كتابه "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية" (ص 280-281) وأبو شامة في "كتاب الروضتين في تاريخ الدولتين" (ص 362-363)، بعض الأمور التي تعكس حكمة صلاح الدين وبعد نظره وفهمه لأخوة الإسلام التي لا تسقط إلا بسقوط أصل الإسلام.

يروي ابن شداد أن نور الدين زنكي لما أرسل إلى صلاح الدين من الشام يأمره بالدعاء لخلفاء بني العباس على المنابر، وهي الإشارة الرمزية إلى البيعة لهم والتخلص من منافسيهم الفاطميين، "راجعه صلاح الدين في ذلك خوف الفتنة".
وزاد أبو شامة الأمر توضيحا بالقول: "فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم عن الإجابة إلى ذلك، لميلهم إلى العلويين".

فصلاح الدين كان حريصا على توحيد الكلمة بترفق وتلطف، ودون استعجال أو قفز على الوقائع الاجتماعية والثقافية المتراكمة على مر الزمان.

وبعد إصرار نور الدين على أن ينفذ صلاح الدين أمره، انتظر صلاح الدين حتى مرض الخليفة الفاطمي العاضد، فأقعده المرض عن حضور الصلوات وتسيير الشأن العام، فبدأ صلاح الدين في التنفيذ، ولو أراد تنفيذ الأمر في صحة الخليفة الفاطمي وقوته لفتح الباب أمام اقتتال داخلي بين المسلمين في مصر.

ثم لما مات العاضد بُعيد ذلك بمدة وجيزة ندم صلاح الدين على استعجاله في تحويل الخطبة، وعدم التروي أكثر في الأمر. قال أبو شامة: "وأما ندمُ صلاح الدين، فبلغني أنه كان على استعجال بقطع خطبته وهو مريض، وقال: لو علمت أنه يموت من هذا المرض ما قطعتها إلى أن يموت".

وقبل أن يموت العاضد لم يجد أكثر رحمة وثقة من صلاح الدين ليستودعه أبناءه ويوصيه بإكرامهم، رغم بعد الشقة المذهبية بين الطرفين.

يذكر أبو شامة أن أبا الفتوح بن العاضد أخبره "أن أباه في مرضه استدعى صلاح الدين فحضر، قال وأحضرَنا، يعني أولاده وهم جماعة صغار، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا، رحمه الله".

وبناء على وصية العاضد هذه "نقل صلاح الدين أهل العاضد إلى موضع من القصر ووكل بهم من يحفظهم"، كما يروي ابن شداد. وقد أكد أبو شامة حسن معاملة صلاح الدين لأفراد أسرة الخليفة الفاطمي فكتب: "ونقل أهل العاضد إلى مكان منفرد، ووكل لحفظهم، وجعل أولاده وعمومته وأبناءهم في الإيوان في القصر، وجعل عندهم من يحفظهم".

ونقل أبو شامة عن أبي الفتوح بن الخليفة العاضد أن صلاح الدين "جعلهم في دار برجوان في الحارة المنسوبة إليه بالقاهرة، وهي دار كبيرة واسعة، كان عيشهم فيها طيبا". وكذلك فليكن الوفاء والمشاعر الإنسانية التي تتجاوز الخلافات المذهبية والطائفية وتتعالى عليها.

ولما مات الخليفة الفاطمي لم يظهر صلاح الدين شماتة ولا غبطة برحيل عدوه المذهبي، كما يشمت حملة الفكر الطائفي اليوم بعضهم ببعض، بل "جلس السلطان للعزاء، وأغرب في الحزن والبكاء، وبلغ الغاية في إجمال أمره؛ والتوديع له إلى قبره" كما يقول ابن شداد.

فلم ينس صلاح الدين للعاضد أنه عينه وزيرا لمصر، واستودعه ثقته، وحمَّله لواء الدفاع عن مصر ضد الصليبيين.

ساحة فكر لا ساحة معركة

كان صلاح الدين سنيا عميق الاقتناع بتسننه، بل كان متحيزا للمذهب الشافعي الذي يدين به على حساب المذاهب السنية الأخرى. وكان إلى ذلك مؤمنا بوحدة الأمة، حريصا على الارتباط بالخلافة العباسية في بغداد التي هي رمز الوحدة الإسلامية رغم ضعفها وخورها.

بينما كان الفاطميون في مصر متعصبين لمذهبهم الشيعي -وهو أبعد مظاهر التشيع عما يدين به جمهور المسلمين- كما كانوا شديدي المنافسة لسلطة الخلافة في بغداد، في وقت تحتاج الأمة فيه إلى التعاضد في وجه أمواج التتار العاتية القادمة من الشرق، وصولات الصليبيين المدمرة في الشمال والغرب.

لكن صلاح الدين كان يدرك أن الخلاف بين أهل الملة الواحدة يجب أن يتم حسمه في ساحة الفكر، لا في ساحة المعركة، وأن هذا الخلاف مهما تعاظم وتراكم على مر القرون، ومهما تجاوز الفروع إلى الأصول، يظل خلافا داخل البيت الواحد، لا يصلح التعامل معه بغير الحوار المتأسس على الحجة والبرهان.

وبهذه الرؤية الحكيمة الرحيمة غير صلاح الدين وجه مصر من دولة يحكمها الفكر الشيعي إلى دولة يسود فيها الفكر السني، دون أن يجر المجتمع المسلم إلى حرب استنزاف طائفي بين السنة والشيعة.

وكانت منهجية صلاح الدين هي تغيير المناخ الفكري والفقهي السائد بطريقة مترفقة هادئة دون مواجهة أو ضوضاء، فأسس صلاح الدين مدارس كثيرة في مصر والشام وفلسطين تحمل الفكر والفقه السني، منها المدرسة الناصرية والمدرسة القمحية والمدرسة السيفية في مصر، ومنها المدرسة الصلاحية في دمشق، ومدرسة بنفس الاسم في القدس.

ولما كان الجامع الأزهر يومها غرة الدولة الفاطمية ومركز أيديولوجيتها وأهم إنجازاتها العلمية، لم يسع صلاح الدين إلى هدمه أو انتزاع قيادته من الفاطميين وأشياعهم من الفقهاء، وإنما انتهج إستراتيجية التفاف حكيمة للتعاطي مع هذه المؤسسة العظيمة.

فنقل صلاح الدين خطبة الجمعة -وهي يومئذ رمز سيادة الحاكم وتأكيد شرعيته- من الجامع الأزهر إلى الجامع الحاكمي بالقاهرة، فهمش المؤسسة التي يسطير عليها الفكر الفاطمي، والتف عليها بحكمة وروية، دون أن يدخل في مواجهة مفتوحة مع القوى الدينية المرتبطة بالنظام القديم.

مؤاخذة بالفعل لا بالمذهب

وحينما ثار ثوار على صلاح الدين، وحاولوا اغتياله واستعادة السلطة الفاطمية، وبدؤوا الاتصال بالصليبيين، عاملهم صلاح الدين بحزم، طبقا لفعلهم لا طبقا لفكرهم.
وكان من بين الثوار على صلاح الدين السني المتعصب لتسننه والشيعي المتعصب لتشيعه، خلافا لما يقدمه البعض اليوم من قراءة طائفية صرفة لتلك الحقبة التاريخية.

يروي ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" أن من الثوار على صلاح الدين الذين أرادوا استرداد النظام الفاطمي المنهار الفقيه عُمارة بن علي المذحجي "وكان شديد التعصب للسنة، أديبا ماهرا، لم يزل ماشيَ الحال في دولة المصريين (الفاطميين) إلى أن ملك صلاح الدين فمدحه، ثم إنه شرع في أمور، وأخذ في اتفاق مع الرؤساء في التعصب للعبيديين (الفاطميين) وإعادة دولتهم، فنُقل أمرهم -وكانوا ثمانية- إلى صلاح الدين فشنقهم في رمضان" (ابن العماد: شذرات الذهب في أخبار من ذهب 6|387).

وقد نشبت ثورات أخرى عدة تهدف إلى استعادة السلطة الفاطمية، وواجهها صلاح الدين بحزم وقوة. لكن صلاح الدين كان يؤاخذ الناس بفعلهم لا بمذهبهم، فهو لم يقتل الشيعة لأنهم شيعة أو السنة لأنهم سنة، وإنما قتل من تآمر لاسترداد حكم فاسد مترهل، عاجز عن حماية الأمة والذب عن حياضها، مفرق لكلمتها ووحدتها.

وكان من بين هؤلاء المتآمرين سنة وشيعة لا ضمائر لهم، مدوا يد الوصل إلى الصليبيين المتربصين من أجل استعادة نفوذهم في مصر. وقد واجه صلاح الدين الفكر بفكر بديل، والفقه بفقه منافس، كما واجه السيف بالسيف، وهذا هو العدل والحكمة.

دروس للحاضر والمستقبل
إن تعامل صلاح الدين الأيوبي مع الحكام الفاطميين والفكر الشيعي الفاطمي في مصر يحمل دروسا عظيمة للسنة والشيعة اليوم، يمكن تلخيص أهمها في الآتي:

أولا: أدرك صلاح الدين بفطرته السليمة أن روابط الولاء والأخوة بين أهل الملة الواحدة لا تنصرم بالخلافات المذهبية والطائفية مهما عظمت. فعمل وزيرا للفاطميين وقاتل الصليبيين تحت رايتهم، دون تمييز بين سنة وشيعة، لأن مشروعه كان استنقاذ أمة بأسرها، وهو مشروع أكبر من كل تشيع وتسنن.

ثانيا: انتهج صلاح الدين منهج الحكمة والرحمة في التعامل مع مخالفيه من الفاطميين، إدراكا منه أن الإسلام بغير حكمة ورحمة اسم بغير مسمى، فرقَّ للخليفة الفاطمي المريض، وجلس للعزاء بوفاته، ووفَّى له بوصيته حول إكرام أبنائه ورعايتهم.

ثالثا: واجه صلاح الدين الفكر المخالف بفكر منافس، وواجه المؤمرات العسكرية بسيف صارم، إدراكا منه أن الفكر يواجَه بقوة الفكر، والجُرم يواجَه بقوة القانون. وليس من العدل أن يتم إزهاق نفس بسبب تبنيها فهما مغايرا للإسلام، ولا حتى بسبب رفضها للإسلام جملة وتفصيلا.

رابعا: اعتمد صلاح الدين طريق الترفق والتدرج في التغيير الفكري الذي ارتآه، لأن الجفاء في الإنكار على المخالفين من المسلمين المتلبسين ببعض البدع، دون لطف أو ترفق، أو اعتبار للمآل والثمرات، يعمق الجرح ويوسع الشرخ، دون أن يصلح الخلل أو يحقق المصلحة المرجوة.

خامسا: كان صلاح الدين رجل عمل لا جدل، مدركا أن الاستغراق في أمور الخلاف والوقوف عندها طويلا استنزاف للذات. فعمل على استنقاذ الأمة من حالة الطوارئ التي تعيشها، بالعمل الإيجابي في ساحة الحرب وفي ساحة الفكر، ولم يستنزف جهده في أمور الخلاف والجدل النظري.

وبهذه الرؤية الحكمية، والروح النبيلة سجل صلاح الدين الأيوبي اسمه في سجل الخالدين، قائدا رحيما بأبناء أمته، حريصا عليهم، يسعى لإصلاح فقههم وفكرهم، ويقدم روحه فداء لأرواحهم، بترفق وتلطف وحكمة ورحمة، لا تعميه الخلافات الجزئية عن رؤية الأمور الكلية وفهم حالة الطوارئ التي عاشتها الأمة في أيامه، كما تعيشها في أيامنا.

فهل يتعلم من يحصدون أرواحهم وأرواح إخوانهم كل يوم في مواكب الموت البغدادية، هذه الحكمة والرحمة من هذا القائد الخالد، الذي ولد في العراق وجمع في شخصيته فضائل أهل العراق عربا وأكرادا، سنة وشيعة.
 
© 2009/ 11/25 *هذاالقالب من تصميمى * ورود الحق